ابن الجوزي
379
صيد الخاطر
أو يشتم ، فعيشهم نغص . ونحن نأكل ما ظاهر الشرع يشهد له بالإباحة ، ولا نخاف من عدو ، ولا ولايتنا تقبل العزل . والعز في الدنيا لنا لا لهم . وإقبال الخلق علينا ، وتقبيل أيدينا وتعظيمنا عندهم كثير . وفي الآخرة بيننا وبينهم تفاوت إن شاء اللّه تعالى فان لفت أرباب الدنيا أعناقهم يعلمون قدر مزيتنا ، وإن غلت أيديهم عن اعطائنا فلذة العفاف أطيب ، ومرارة المنن لا تفي بالمأخوذ ، وإنما هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، وانها أيام قلائل . والعجب لمن شرفت نفسه حتى طلبت العلم ، إذ لا يطلبه الا ذو نفس شريفة كيف يذل لبذل من لا عزه الا بالدنانير ، ولا مفخرة له إلا بالمكنة . ولقد أنشدني أبو يعلى العلوي : رب قوم في خلائقهم * عرر قد صيروا غررا ستر المال القبيح لهم * سترى إن زال ما سترا أيقظنا اللّه من رقدة الغافلين ، ورزقنا فكر المتيقظين ، ووفقنا للعمل بمقتضى العلم والعقل ، إنه قريب مجيب . 341 - وجوب التلطف بالبدن ليقوى على الطاعة لا ينبغي للانسان أن يحمل على بدنه ما لا يطيق فان البدن كالراحلة إن لم يرفق بها لم تصل بالراكب . فترى في الناس من يتزهد وقد ربى جسده على الترف ، فيعرض عما ألفه ، فيتجدد له الأمراض ، فتقطعه عن كثير من العبادات . وقد قيل : « عوّدوا كل بدن ما اعتاد » ، وقد قرّب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ضب فقال : أجدني أعافه لأنه ليس بأرض قومي . وفي حديث الهجرة : أن أبا بكر رضي اللّه عنه طلب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الظل ، وفرش له فروة ، وصب على القدح الذي فيه لبن ماء حتى برد . وجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على قوم فقال : إن كان عندكم ماء بات في شن وإلا كرعنا . وكان صلّى اللّه عليه وسلم يأكل لحم الدجاج . وفي الصحيح : أنه كان يحب الحلوى والعسل . وكان إذا لم يقدر أكل